ظلت الكوابيس تطارده طوال الليل. الشاب الأسمر الذى أنقذه فى الميدان بطيبته و سماحته، "نهال" بهدوئها و رجاحة عقلها و مشاعرها النبيلة، "شاهيناز" بسحرها و دلالها، "صابرين" بصفائها و خفة ظلها و أحلامها البريئة.
فى الصباح اتجه إلى عمله منهكًا مضطربًا. بعد انتهاء اليوم لم يجد فى نفسه أى رغبة فى العودة إلى المنزل. بدّل ثيابه العسكرية و إتجه إلى الفنار.
لا يعرف ما الذى يربطه بهذا الفنار القديم؟ هل لأن الفنار هو الهداية و الأمان للسفن؟ أم لأنه يذكره بالإسكندرية القديمة الطيبة المنفتحة على كل ثقافات العالم؟ أم لأن الفنار يشاركه الهموم؟ الفنار يعانى من غدر البحر و الموجات المتلاحقة إلى مالانهاية. وهو يعانى من غدر الأيام و تقلباتها التى لا نهاية لها. كان يحلم بعد الدراسة أن يكون هذا الضابط القوى الحكيم. يلتف الناس حوله، يغرقونه فى الحب و الاحترام، يبحثون عن الحماية بجواره. بعد أن تعلم الانضباط العسكرى على يد العميد "البهنساوى" هبت الثورة و أصبح ضباط الشرطة مطاردين فى كل مكان، يُقتلون جهارًا نهارًا، و القادة الكبار و الوزير لا يحركون ساكنًا من أجل تهدئة الناس.
الآن، يتمنى أن يكون إنسانًا بسيطًا مثل هؤلاء الصيادين الذين يعيشون فى البيوت الخشبية الصغيرة. حياة سهلة بلا مناصب بلا عقد، بلا مشاكل.
فى الأفق، فى السماء الصافية، بدت له "شاهيناز" الساحرة.
هل شعرت زوجة العميد بخيانته لها فدبت بينهما الخلافات و تطورت إلى قتلها؟ ربما من يدرى؟ العميد "البهنساوى" لا يجب أن يلومه أحد. إنه يحاول دائمًا أن يكون كاملًا. لا شىء يثير أعصابه و يستفزه أكثر من اللوم و العتاب. يقول دائمًا فى مثل هذه المواقف: أنا لا أخطئ، الموقف اضطرنى لذلك و أنتم لا تعلمون ملابسات الموقف. لو أصبح اللوم من زوجته، فلا شك أن غضبه سيكون شديدًا عنيفًا.
رأى وجه "شاهيناز" يبتسم له، تحركت السحب فى خمول تداعب موجات البحر، ابتسامتها الساحرة سرت فى الكون كله. ابتسم و هو يقول فى نفسه: العميد محقًا فى كل أفعاله. من هذا الرجل القادر على مقاومة هذه الساحرة الفاتنة؟
حمد ربه على أن وهبه الذكاء وسرعة البديهة. فى نهاية حديثه مع "شاهيناز" طلبت منه أن يخبرها بأى أخبار جديدة حول العميد. تبادلا أرقام التليفون. فى الأسبوع الماضى تحدث إليها ثلاث مرات. فى البداية كان الحديث حول العميد ثم استطاعت بذكائها و دهائها تحويل الحديث إلى سحر الفن و روعة الطبيعة و اندفاع الحياة. فتنته بصوتها العذب و حديثها الجميل و نظرتها المتفائلة للحياة. سحرته باندفاعها و تهورها. فى النهاية نصحته قائلة: أنت شاب وسيم، يجب أن تعيش الحياة دون أن تفهمها.
أليس هذا بداية الحب؟ إنها على حق. إنها على عكس "نهال" تمامًا التى تحاول فهم الحياة دون أن تعيشها.
ضحك فى نفسه فى استهتار و هو يفكر فى أن العميد هو الأب الروحى. و من حق أى ابن أن يرث أبيه.
اختفت الشمس خلف البحر و هبّ عائدًا إلى البيت مضطربًا ليجد "نهال" فى إنتظاره للاطمئنان عليه.
شعرت بمدى قلقه و اضطرابه فقالت:
ـ لماذا لا تخرج يومًا للصيد مثلما كنت تفعل فى الماضى.
أجاب فى آسى:
ـ لا أعرف إلا صيد البلطى، و الملاحات تلوثت.
ثم برقت عيناه ببريق خاطف و أكمل:
ـ يقولون إن هناك أحجام معقولة فى ترعة النصر، فى الطريق الصحراوى.
قالت مبتسمة:
ـ أنت فى حاجة الى رحلة صيد لإعادة ترتيب أفكارك.
قبل أن تكمل حديثها تركته و جرت إلى داخل شقتها فى لهفة. رفعت من صوت التليفزيون إلى أعلى درجة. "محمد منير" يشدو أغنية "إزاى" على بعض مشاهد الثورة. راحت "نهال" تردد الأغنية مع "منير" بينما النقيب "عماد" ينظر مذهولًا. بعد إنتهاء الأغنية سألته عن سبب ذهوله، فقال مندهشًا:
ـ إنه هو.
ـ من هو؟
ـ "محمد منير".
ـ ماذا تقصد؟
ـ هو الشاب الأسمر الذى أنقذنى فى الميدان.
ضحكت قائلة:
ـ مستحيل.
ـ لماذا؟
ـ لأن "محمد منير" لديه أسلوب فى التعبير عن نفسه أقوى من أى ثورة.
ـ ربما، لكنى واثق إنه هو.
ـ على كل حال، يقولون إنها أغنية قديمة لكنها كانت ممنوعة.
فقال مداعبًا إياها و هو مازال مندهشًا:
ـ على كل حال إذا كانت أغنية "شادية" تعبر عن ثورة 52، فإن أغنية "محمد منير" تعبر عن ثورة 2011.
* موعدنا الخمس القادم، إن شاء الله، مع الفصل السابع عشر و الأخير.
حسام أبو سعدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق