البحر كالأنثى...#كامل_بلال - بستان الإبداع والأدب العربي

اخر الأخبار

اعلان

احصل على القالب من عالم المدون

السبت، 25 نوفمبر 2017

البحر كالأنثى...#كامل_بلال

البحر كالأنثى، بقدر ما تمتّعك تستدرجك لتمتلكك.
أدرك هذا وهو يكتشف مبكّرًا، أنّ البحر كان أوّل منفذ للغزاة الفرنسيّين ليدخلوا الجزائر ويدنّسوا كرامتها، ويبدؤوا كتابة أولى صفحات أيّامها السّوداء، التي أصبحت اليوم تكفي لأكثر من كتاب بائس.
بالضبط في 5 جويلية 1830 وبميناء سيدي فرج، كانت الجزائر تدخل عتبة عمر جديد من البؤس الذي ستُكتَب صفحاته على يد المستعمر الفرنسيّ الغاشم.
عمر تلوّنت صفحاته بالدم، بالألم، بالخوف والحرمان، وتعطّرت برائحة الموت وعفونة القتل.
- لمَ لم يبتلع البحر تلك البوارج الحربيّة الفرنسيّة اللّعينة لحظة دخولها؟
هكذا كان لسان حاله يقول دائمًا، وهذا السّؤال الغريب يردّد نفسه كهاجس داخلي يؤرقه، وكأنّه يلوم البحر على ما حدث للجزائر منذ أكثر من قرن.
ما ذنب البحر وهو الضّعيف أمام يد الأقدار؟!
هو يلوم البحر ولكنّه أبدًا لن يحقد عليه، حسبه أنّه كان يواسيه في وحدته، يستمع إليه بصمت دون أن يجادله، ويبثّ في قلبه سعادة غامضة في كل مرّة يواعده، يكفيه أنّه تحمّل بكاءه وغسل بمائه المالح أوجاعه لسنوات.
يقف عمر أمام مشهد البحر مهزومًا كالعادة، تستيقظ داخله تلك الرّغبة الجارفة وذلك الحنين القاتل للسّجائر، أخرج العلبة من جيب معطفه، حتّى أنّه لا يتذكّر كيف وجد نفسه يتوقف فجأة أمام البائع ليشتري علبة السّجائر تلك، هو الذي ما كانت لديه نيّة مسبقة للعودة إلى التدخين.
أخذ سيجارة من العلبة وأشعلها بشيء من الشّهوة، يحاول أن يجمع أفكاره المشتّتة، وهو يأخذ أوّل نفس منها يَحْضُره قول زينب:
- ستقتلك هذه السّجائر اللّعينة ذات يوم...
يضحك بشكل هستيريّ، يهمس لنفسه بصوت خافت كأنّه يردّ عليها:
- حتّى الرّصاصات لم تقتلني، فكيف تستطيع هذه السّجائر البائسة أن تفعل؟
أدرك متأخّرًا أنّها وحدها كانت قادرة على قتله، هي فعلت به أكثر ممّا فعلت به كلّ مآسيه مجتمعة معًا...
#للذاكرة_جرح_ينزف
#كامل_بلال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان

احصل على القالب من عالم المدون